شاركنا على الفيس بوك

الأحد، 17 أكتوبر 2010

مصعب بن عمير أول سفير في الإسلام

مصعب بن عمير أول سفراء الإسلام


هذا رجل من أصحاب محمد ، ما أجمل أن نبدأ به الحديث ! غُرَّة فتيان قريش، وأوفاهم بهاءً وجمالاً وشبابًا..

يصف المؤرخون والرواة شبابه، فيقولون : " كان أعطر أهل مكة " ، ولد في النعمة ، وغُذِّيَ بها ، وشبَّ تحت خمائلها .. ولعله لم يكن بين فتيان مكة من ظفر من تدليل أبويه بمثل ما ظفر به " مصعب بن عمير " ، ذلك الفتى الريان، المدلل المنعم، حديث حسان مكة، ولؤلؤة ندواتها ومجالسها، أيمكن أن يتحول إلى أسطورة من أساطير الإيمان والفداء؟

بالله ما أروعه من نبأ ! نبأ " مصعب بن عمير " أو " مصعب الخير " ، كما كان لقبه بين المسلمين، ولكن أي واحد كان؟ إن قصة حياته لشرف لبني الإنسان جميعًا .. لقد سمع الفتى ذات يوم ما بدأ أهل مكة يسمعونه من محمد الأمين ، "محمد" الذي يقول إن الله أرسله بشيرًا ونذيرًا ، وداعيًا إلى عبادة الله الواحد الأحد.

وحين كانت مكة تُمسي وتصبح، ولا همَّ لها ولا حديث يشغلها إلا الرسول - صلى الله عليه وسلَّم - ودينه كان فتى قريش المدلَّل أكثر الناس استماعًا لهذا الحديث .. ذلك أنه كان على الرغم من حداثة سنه زينة المجالس والندوات ، تحرص كل ندوة أن يكون "مصعب" بين شهودها، ذلك أن أناقة المظهر ورجاحة العقل كانتا من خصال "ابن عمير"، التي تفتح لها القلوب والأبواب.. ولقد سمع فيما سمع أن الرسول - صلى الله عليه وسلم- ومن آمن معه يجتمعون بعيدًا عن فضول قريش وأذاها، هناك على الصفا في دار ( الأرقم بن أبي الأرقم )، فلم يطُل به التردد ، ولا التلبُّث والانتظار، بل صحب نفسه ذات مساء إلى دار (الأرقم) تسبقه أشواقه ورُؤاه، وهناك كان الرسول- صلى الله عليه وسلم- يلتقي بأصحابه فيتلو عليهم من القرآن الكريم، ويصلي معهم للهِ العليِّ الكبير.


ولم يكَد "مصعب" يأخذ مكانه وتنساب الآيات من قلب الرسول- صلى الله عليه وسلم- متألقةً على شفتيه، ثم آخذةً طريقها إلى الأسماع والأفئدة، حتى كان فؤاد "ابن عمير" في تلك الأمسية هو الفؤاد الموعود، ولقد كانت الغبطة تخلعه من مكانه، وكأنه من الفرحة الغامرة يطير.

ولكن الرسول- صلى الله عليه وسلم- بسط يمينه المباركة الحانية حتى لامست الصدر المتوهج، والفؤاد المتوثب، فكانت السكينة العميقة عمق المحيط، وفي لمح البصر كان الفتى الذي آمن وأسلم يبدو ومعه من الحكمة ما يفوق ضعف عمره وسِنِّه، ومعه من التصميم ما يغير سير الزمان.

كانت أم مصعب "خناس بنت مالك" تتمتع بقوة فذَّة في شخصيتها، وكانت تُهاب إلى حد الرهبة، ولم يكن "مصعب "حين أسلم ليحاذر أو يخاف على ظهر الأرض قوة سوى أمه.. فلو أن مكة بكل أصنامها وأشرافها وصحرائها، استحالت هولاً يقارعه ويصارعه، لاستخف به "مصعب" إلى حين.. أما خصومة أمه، فهذا هو الهول الذي لا يُطاق، ولقد فكَّر سريعًا، وقرر أن يكتم إسلامه حتى يقضي الله أمرًا.

وظل يتردد على دار (الأرقم)، ويجلس إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلَّم، وهو قرير العين بإيمانه، وبتفاديه غضب أمه التي لا تعلم عن إسلامه خُبرًا.. ولكن مكة- في تلك الأيام بالذات- لا يخفى فيها سر؛ فعيون قريش وآذانها على كل طريق، ووراء كل بصمة قدم فوق رمالها الناعمة اللاهبة الواشية.. ولقد أبصر به "عثمان بن طلحة" وهو يدخل خفيةً إلى دار (الأرقم)، ثم رآه مرةً أخرى وهو يصلي كصلاة محمد، فسابق ريح الصحراء وزوابعها، شاخصًا إلى أم مصعب؛ حيث ألقى عليها النبأ الذي طار بصوابها.

ووقف "مصعب" أمام أمه وعشيرته وأشراف مكة المجتمعين حوله يتلو عليهم- في يقين الحق وثباته- القرآنَ الذي يغسل به الرسول قلوبهم، ويملؤها به حكمةً وشرفًا وعدلاً وتُقى.

همَّت أمه أن تسكته بلطمة قاسية، ولكن اليد التي امتدت كالسهم ما لبثت أن استرخت وترنحت أمام النور الذي زاد وسامة وجهه وبهاءه جلالاً يفرض الاحترام، وهدوءًا يفرض الإقناع.

ولكنْ إذا كانت أمه تحت ضغط أمومتها ستعفيه من الضرب والأذى، فإن في مقدرتها أن تثأر للآلهة التي هجرها بأسلوب آخر.. وهكذا مضت به إلى ركن قَصِيٍّ من أركان دارها وحبسته فيه، وأحكمت عليه إغلاقه، وظل رهين محبسه ذاك حتى خرج بعض المؤمنين مهاجرين إلى أرض الحبشة، فاحتال لنفسه حين سمع النبأ، وغافل أمه وحراسه، ومضى إلى الحبشة مهاجرًا أوابًا.. ولسوف يمكث في الحبشة مع إخوانه المهاجرين، ثم يعود معهم إلى مكة، ثم يهاجر إلى الحبشة للمرة الثانية مع الأصحاب الذين يأمرهم الرسول بالهجرة فيطيعون.

ولكنْ سواء كان مصعب بالحبشة أم في مكة، فإن تجربة إيمانه تمارس تفوقها في كل زمان ومكان، ولقد فرغ من إعادة صياغة حياته على النسق الجديد الذي أعطاهم محمد- صلى الله عليه وسلم- نموذجه المختار، واطمأن "مصعب" إلى أن حياته قد صارت جديرة بأن تقدم قربانًا لباريها الأعلى، وخالقها العظيم.

خرج يومًا على بعض المسلمين وهم جلوس حول رسول الله، فما أن بصروا به حتى حنوا رءوسهم، وغضوا أبصارهم، وذرفت بعض عيونهم دمعًا شجيًّا.. ذلك أنهم رأوه يرتدي جلبابًا مرقعًا باليًا، وعاودتهم صورته الأولى قبل إسلامه، حين كانت ثيابه كزهور الحديقة نضرة، وألقًا وعطرًا.. وتملَّى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- منظره بنظرات حكيمة، شاكرة، محبة، وتألقت على شفتيه ابتسامته الجليلة، وقال: "لقد رأيت مصعبًا هذا، وما بمكة فتىً أنعم عند أبويه منه، لقد ترك ذلك كله حبًّا بالله ورسوله".

لقد منعته أمه- حين يئست من ردته- كلَّ ما كانت تفيض عليه من نعمة، وأبت أن يأكل طعامها إنسان هجر الآلهة وحاقت به لعنتها، حتى لو كان هذا الإنسان هو ابنها.. ولقد كان آخر عهدها به حين حاولت حبسه مرة أخرى بعد رجوعه من الحبشة، فآلى على نفسه لئن هي فعلت ليقتلن كل مَن تستعين به على حبسه.. وإنها لتعلم صدق عزمه إذا همَّ وعزم، فودعته باكية، وودعها باكيًا، وكشفت لحظة الوداع عن إصرار عجيب على الكفر من جانب الأم وإصرار أكبر على الإيمان من جانب الابن؛ فحين قالت له وهي تخرجه من بيتها: اذهب لشأنك، لم أعد لك أمًّا.. اقترب منها وقال: "يا أُمَّه، إني لك ناصح، وعليك شفوق، فاشهدي أنه لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله"، فأجابته غاضبة مهتاجة: "قسمًا بالثواقب، لا أدخل في دينك، فَيُزرى برأيي ويضعف عقلي".

وخرج "مصعب" من النعمة الوارفة التي كان يعيش فيها مؤثرًا الشظف والفاقة، وأصبح الفتى المتأنق المعطر لا يُرى إلا مرتديًا أخشن الثياب، يأكل يومًا ويجوع أيامًا، ولكن روحه المتأنقة بسمو العقيدة، والمتأنقة بنور الله، كانت قد جعلت منه إنسانًا آخر يملأ الأعين جلالاً، والأنفس روعة.

وآنئذ، اختاره الرسول- صلى الله عليه وسلم- لأعظم مهمة في حينها؛ أن يكون سفيره إلى المدينة، يفقِّه الأنصار الذين آمنوا وبايعوا الرسول- صلى الله عليه وسلم- عند العقبة، ويُدخل غيرهم في دين الله، ويُعِدُّ المدينة ليوم الهجرة العظيم.

كان في أصحاب الرسول- صلى الله عليه وسلم- يومئذ من هم أكبر منه سنًا وأكثر جاهًا، وأقرب من الرسول- صلى الله عليه وسلم- قرابةً.. ولكن الرسول- صلى الله عليه وسلم- اختار مصعب الخير، وهو يعلم بأنه يَكِل إليه بأخطر قضايا الساعة، ويلقي بين يديه بمصير الإسلام في المدينة التي ستكون دار الهجرة، ومنطلق الدعوة والدعاة والمبشرين والغزاة، بعد حين من الزمان قريب.

وحمل مصعب الأمانة مستعينًا بما أنعم الله عليه من عقل راجح وخلق كريم.. ولقد غزا أفئدة أهل المدينة بزهده وترفعه وإخلاصه، فدخلوا في دين الله أفواجًا. لقد جاءها يوم بعثه الرسول- صلى الله عليه وسلم- إليها وليس فيها سوى اثني عشر مسلمًا، هم الذين بايعوا النبي- صلى الله عليه وسلم- من قبل بيعة العقبة، ولكنه لم يكد يتم بينهم بضعة أشهر حتى استجابوا لله وللرسول- صلى الله عليه وسلم.

وفي موسم الحج التالي لبيعة العقبة كان مسلمو المدينة يرسلون إلى مكَّة للقاء الرسول- صلى الله عليه وسلم- وفدًا يمثلهم وينوب عنهم، وكان عدد أعضائه سبعين مؤمنًا ومؤمنةً، جاءوا تحت قيادة معلمهم ومبعوث نبيهم إليهم "مصعب بن عمير".. لقد أثبت "مصعب" بكياسته وحسن بلائه أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عرف كيف يختار، فلقد فهم "مصعب" رسالته تمامًا، ووقف عند حدودها.. عرف أنه داعية إلى الله، ومبشر بدينه الذي يدعو الناس إلى الهدى، وإلى صراط مستقيم، وأنه كرسوله الذي آمن به، ليس عليه إلا البلاغ.. هنالك نهض في ضيافة "أسعد بن زرارة" يَغشيان القبائل والبيوت والمجالس، تاليًا على الناس ما معه من كتاب ربه، هاتفًا بينهم في رفق عظيم بكلمة الله "إنما الله إله واحد".

ولقد تعرض لبعض المواقف التي كان يمكن أن تودي به وبمن معه، لولا فِطنة عقله، وعظمة روحه. ذات يوم فاجأه وهو يعظ الناس "أُسيد بن حُضير" سيد بني عبدالأشهل بالمدينة، فاجأه شاهرًا حربته، يتوهج غضبًا وحنقًا على هذا الذي جاء يفتن قومه عن دينهم، ويدعوهم لهجر آلهتهم، ويحدثهم عن إله واحد لم يعرفوه من قبل، ولم يألفوه من قبل.

إن آلهتهم معهم رابضة في مجاثمها، إذا احتاج إليها أحد عرف مكانها وولى وجهه ساعيًا إليها، فتكشف ضره وتلبي دعاؤه.. هكذا يتصورون ويتوهمون، أما إله محمد الذي يدعوهم إليه باسمه هذا السفير الوافد إليهم، فما أحد يعرف مكانه، ولا أحد يستطيع أن يراه..

وما أن رأى المسلمون الذي كانوا يجالسون "مصعب" مَقدَم "أسيد بن حضير" متوشحًا غضبه المتلظي، وثورته المتحفزة، حتى وَجِلوا.. لكن "مصعب الخير" ظل ثابتًا، وديعًا، متهللاً.


وقف "أسيد" أمامه مهتاجًا، وقال يخاطبه هو و"أسعد بن زرارة": "ما جاء بكما إلى حيِّنا، تسفِّهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا، إذا كنتما لا تريدان الخروج من الحياة"! وفي مثل هدوء البحر وقوته، وفي مثل تهلل ضوء الفجر ووداعته.. انفرجت أسارير "مصعب الخير"، وتحرك بالحديث الطيب لسانه، فقال: "أولا تجلس فتستمع؟! فإن رضيت أمرنا قبلته، وإن كرهته كففنا عنك ما تكره".. الله أكبر، ما أروعها من بداية سيسعد بها الختام!

كان "أسيد" رجلاً أريبًا عاقلاً"، وهاهو ذا يرى مصعبًا يحتكم معه إلى ضميره، فيدعوه إلى أن يسمع لا غير، فإن اقتنع تركه لاقتناعه، وإن لم يقتنع ترك "مصعب" حيهم وعشيرتهم، وتحوَّل إلى حي آخر وعشيرة أخرى غير ضارٍّ ولا مُضارٍّ.. هناك أجابه "أُسيد" قائلاً: "أنصفت، أنصفت"، وألقى حربته إلى الأرض وجلس يصغي، ولم يكد "مصعب" يقرأ القرآن، ويفسر الدعوة التي جاء بها محمد بن عبد الله- عليه الصلاة والسلام- حتى أخذت أسارير "أسيد" تبرق وتشرق، وتتغير مع مواقع الكلام، وتكتسي بجماله! ولم يكد "مصعب" يفرغ من حديثه حتى هتف به "أسيد بن حضير" وبمن معه قائلاً: "ما أحسن هذا القول وأصدقه، كيف يصنع من يريد أن يدخل في هذا الدين؟"، وأجابوه بتهليلة رجَّت الأرض رجًّا، ثم قال له مصعب: "يطهِّر ثوبه وبدنه، ويشهد أن لا إله إلا الله"، فغاب "أسيد" عنهم غير قليل، ثم عاد يقطر الماء الطهور من شعر رأسه، ووقف يعلن أنه يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.

وسرى الخبر كالضوء، وجاء "سعد بن معاذ"، فأصغى لمصعب واقتنع، وأسلم، ثم تلاه "سعد بن عبادة"، وتمت بإسلامهم النعمة، وأقبل أهل المدينة بعضهم على بعض يتساءلون: إذا كان "أسيد بن حضير"، و"سعد بن معاذ"، و"سعد بن عبادة" قد أسلموا، ففيم تخلّفنا؟ هيا إلى "مصعب"، لنؤمن معه، فإنهم يتحدثون أن الحق يخرج من بين ثناياه! لقد نجح أول سفراء الرسول- صلى الله عليه وسلَّم- نجاحًا منقطع النظير، نجاحًا هو له أهل، وهو به جدير.

وتمضي الأيام والأعوام، ويهاجر الرسول- صلى الله عليه وسلم- وصحبه إلى المدينة، وتتلمظ قريش بأحقادها، وتعد عدَّة باطلها، لتواصل مطاردتها الظالمة لعباد الله الصالحين، وتقوم غزوة بدر، فيتلقون فيها درسًا يفقدهم بقية صوابهم ويسعون إلى الثأر، وتجيء غزوة أحد، ويعبئ المسلمون أنفسهم، ويقف الرسول- صلى الله عليه وسلَّم- وسط صفوفهم، يتفرس الوجوه المؤمنة ليختار من بينها من يحمل الراية، ويدعو مصعب الخير، فيتقدَّم ويحمل اللواء.

وتشب المعركة الرهبية، ويحتدم القتال، ويخالف الرماة أمر الرسول- عليه السلام- ويغادرون مواقعهم في أعلى الجبل، بعد أن رأوا المشركين ينسحبون منهزمين، لكن عملهم هذا سرعان ما يحوِّل نصر المسلمين إلى هزيمة، ويفاجأ المسلمون بفرسان قريش تغشاهم من أعلى الجبل، وتُعمل فيهم على حين غرة السيوف الظامئة المجنونة، وحين رأوا الفوضى والذعر يمزقان صفوف المسلمين، ركَّزوا على رسول الله- صلى الله عليه وسلَّم- لينالوه.

وأدرك "مصعب بن عمير" الخطر الغادر، فرفع اللواء عاليًا، وأطلق تكبيرة كالزئير، ومضى يصول ويجول ويتواثب، وكل همه أن يلفت نظر الأعداء إليه ويشغلهم عن الرسول- صلى الله عليه وسلَّم- بنفسه، وجرَّد من ذاته جيشًا بأسره..

أجل ذهب "مصعب" يقاتل وحده كأنه جيش لجب غزير..

يد تحمل الراية في تقديس..

ويد تضرب السيف في عنفوان..

ولكن الأعداء يتكاثرون عليه، يريدون أن يعبروا فوق جثته إلى حيث
يلقون الرسول..

ولندع شاهد عيان يصف لنا مشهد الختام في حياة مصعب العظيم!

يقول ابن سعد: أخبرنا إبراهيم بن محمد بن شرحبيل العبدري، عن أبيه قال:
"حمل مصعب بن عمير اللواء يوم أُحد، فلما جال المسلمون ثبت به مصعب، فأقبل ابن قبيئة وهو فارس، فضربه على يده اليمنى فقطعها، ومصعب يقول: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ (الأحزاب: 23)، وأخذ اللواء بيده اليسرى وحنا عليه، فضرب يده اليسرى فقطعها، فحنا على اللواء وضمَّه بعضديه إلى صدره وهو يقول: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾، ثم حمل عليه الثالثة بالرمح فأنفذه واندقَّ الرمح، ووقع مصعب، وسقط اللواء".

وقع مصعب.. وسقط اللواء!

وقع حلية الشهادة، وكوكب الشهداء!

وقع بعد أن خاض في استبسال عظيم معركة الفداء والإيمان.

كان يظن أنه إذا سقط، فسيصبح طريق القتلة إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلَّم- خاليًا من المدافعين والحماة، ولكنه كان يعزي نفسه في رسول الله- صلى الله عليه وسلَّم- من فرط حبِّه له وخوفه عليه حين مضى يقول مع كل ضربة سيف تقتلع منه ذراعًا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾، هذه الآية التي سينزل الوحي فيما بعد يرددها، ويكملها، ويجعلها، قرآنًا يتلى.

وبعد انتهاء المعركة المريرة وُجد جثمان الشهيد الرشيد راقدًا وقد أخفى وجهه في تراب الأرض المضمخ بدمائه الزكية.. لكأنما خاف أن يبصر وهو جثة هامدة رسول الله يصيبه السوء، فأخفى وجهه حتى لا يرى هذا الذي يحاذره ويخشاه!

أو لكأنه خجلان؛ إذ سقط شهيدًا قبل أن يطمئن على نجاة رسول الله، وقبل أن يؤدي إلى النهاية واجب حمايته والدفاع عنه!


لك الله يا مصعب! يا من ذكرك عطرًا للحياة!


وجاء الرسول وأصحابه يتفقدون أرض المعركة، ويودعون شهداءها، وعند جثمان "مصعب"، سالت دموع وفية غزيرة..

يقول خبَّاب بن الأرت: "هاجرنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلَّم- في سبيل الله، نبتغي وجه الله، فوجب أجرنا على الله.. فمنا من مضى ولم يأكل من أجرة في دنياه شيئًا- منهم مصعب بن عمير- قُتل يوم أحد، فلم يوجد له شيئًا يكَّفن فيه إلا نَمِرة.. فكنا إذا وضعناها على رأسه تَعَرَّت رجلاه، وإذا وضعناها على رجليه برزت رأسه، فقال لنا رسول الله- صلى الله عليه وسلَّم-: "اجعلوها مما يلي رأسه، واجعلوا على رجليه من نبات الأذخر".

وعلى الرغم من الألم الحزين العميق الذي سبَّبَه رُزء الرسول- صلى الله عليه وسلَّم- في عمِّه حمزة، وتمثيل المشركين بجثمانه تمثيلاً أفاض دموع الرسول عليه السلام، وأوجع فؤاده.

وعلى الرغم من امتلاء أرض المعركة بجثث أصحابه وأصدقائه الذين كان كل واحد منهم يمثل لديه عالمًا من الصدق والطهر والنور.. على الرغم من كل هذا، فقد وقف على جثمان أول سفرائه، يودعه وينعاه.. أجل، وقف الرسول- صلى الله عليه وسلَّم- عند "مصعب بن عمير"، وقال وعيناه تلفانه بضيائهما وحنانهما ووفائهما: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾.

ثم ألقى في أسى نظرة على بردته التي كفن فيها، وقال: "لقد رأيتك بمكة، وما بها أرق حلَّة ولا أحسن لِمَّةً منك، ثم هاأنت ذا شعث الرأس في بُردة"!

وهتف الرسول- عليه السلام- وقد وسعت نظراته الحانية أرض المعركة بكل من عليها من رفاق "مصعب"، وقال: "أيها الناس، زوروهم، وأتوهم، وسلموا عليهم، فوالذي نفسي بيده، لا يسلم عليهم مُسَلِّمٌ إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه السلام".

السلام عليك يا " مصعب " .

السلام عليكم يا معشر الشهداء .

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.




المصدر / كتاب رجال حول الرسول